بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف تقر عينك بالصلاة ؟
للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله
الصلاة قُرَّةُ عيون المحبين في هذه الدنيا؛ لما فيها من مناجاة من لا تقر العيون، ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعم بذكره، والتذلل والخضوع له، والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها، ومن هذا قول النبي – صلى الله عليه وسلم - :«قُمْ يا بلالُ، فأرِحْنَا بالصلاة» ، فأعَلَم بذلك أن راحته في الصلاة كما أخبر أن قرة عينه فيها. فأين هذا من قول القائل: نصلي ونستريح من الصلاة!
فالمحب راحته وقرة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك، بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنه على الجمر حتى يتخلص منها، وأحبُّ الصلاةِ إليه أعجلها وأسرعها، فإنه ليس له قرة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرَّت عينه بشيء واستراح قلبه به فأشق ما عليه مفارقته، والمتكلِّف الفارغ القلب من الله والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا أشق ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها، مع تفرغه وصحته وعدم اشتغاله!
ومما ينبغي أن يُعلَم: أنَّ الصلاة التي تَقرُّ بها العين ويستريح بها القلب هي التي تجمع ستة مشاهد :
المشهد الأول:الإخلاص
وهو أن يكون الحامل عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودد إليه، وامتثال أمره، بحيث لا يكون الباعث له عليها حظاً من حظوظ الدنيا ألبَتَّةَ، بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى، محبةً له وخوفا من عذابه، ورجاء لمغفرته وثوابه.
يتبع
---------- Post added at 09:18 AM ---------- Previous post was at 09:18 AM ----------
المشهد الثاني: مشهد الصِّدق والنصح
وهو أن يفرِّغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه وأكملها ظاهراً وباطناً، فإنَّ الصلاة لها ظاهر وباطن؛ فظاهرها: الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها: الخشوع والمراقبة وتفريغ القلب لله والإقبال بكليته على الله فيها، بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها، والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يُواجِه سيدَه بمثل ذلك! ولهذا تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوب الخلق ويُضرب بها وجه صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني.
والصلاة التي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس حتى تُعرَض على الله فيرضاها ويقبلها، وتقول: حفظك الله كما حفظتني.
---------- Post added at 09:19 AM ---------- Previous post was at 09:18 AM ----------
المشهد الثالث : مشهد المتابعة والاقتداء
وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي صلى الله عليه وسلم ويصلي كما كان يصلي؛ وَيُعْرِض عما أحدث الناس في الصلاة، من الزيادة والنقصان، والأوضاع التي لم يُنقَلْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء منها ولا عن أحد من أصحابة؛ ولا يقف عند أقوال المرخِّصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك وأوجب ما أسقطوه، ولعل الأحاديث الثابتة والسنة النبوية من جانبه ولا يلتفتون إلى ذلك، ويقولون: (نحن مقلدون لمذهب فلان) وهذا لا يُخَلِّص عند الله ولا يكون عذرا لمن تخلف عما علمه من السنة عنده، فإن الله – سبحانه - إنما أمر بطاعة رسوله واتِّباعه وحدَهُ ولم يأمر باتِّباع غيره، وإنما يُطاعُ غيره إذا أمر بما أمر به الرسول، وكل أحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك.
وقد أقسم الله - سبحانه - بنفسه الكريمة أنا لا نؤمن حتى نُحَكِّم الرسول فيما شجر بيننا، وننقاد لحكمه ونُسَلِّمَ تسليماً. فلا ينفعنا تحكيم غيره والانقياد له، ولا ينجينا من عذاب الله، ولا يقبل منا هذا الجواب إذا سمعنا نداءه - سبحانه - يوم القيامة﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 65] فإنه لا بد أن يسألنا عن ذلك، ويُطالبنا بالجواب، قال تعالى:﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أُوحي إليَّ أنكم بي تُفتنون وعني تُسألون»[صحيح الجامع: 1361]، يعني المسألة في القبر، فمن انتهت إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها لقول أحد من الناس فَسَيَرِدُ يوم القيامة ويعلم.
---------- Post added at 09:20 AM ---------- Previous post was at 09:19 AM ----------
المشهد الخامس : مشهد الـمِنَّـة
وهو أن يشهد أن المنَّة لله – سبحانه -، كونه أقامه في هذا المقام وأهله له ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته. فلولا الله - سبحانه - لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يَحْدُونَ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون:
( والله لولا الله ما اهتدينا*** ولا تصدقنا ولا صلينا )
قال الله تعالى:﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[الحجرات: 17] فالله - سبحانه - هو الذي جعل المسلم مسلماً، والمصلي مصلياً، كما قال الخليل صلى الله عليه وسلم:﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾[البقرة: 128]،وقال:﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾[إبراهيم: 40].
فالمنَّةُ لله وحده في أن جعل عبده قائماً بطاعته. وكان هذا من أعظم نِعَمِه عليه.
وقال تعالى:﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾[النحل: 53]، وقال:﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾[الحجرات: 7].
وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد وكلما كان العبد أعظم توحيداً كان حظه من هذا المشهد أتم.
وفيه من الفوائد أنه يحول بين القلب وبين العُجبِ بالعمل ورؤيته، فإنه إذا شهد أن الله - سبحانه - هو المانُّ به، الموفق له، الهادي إليه، شَغَلَه شهود ذلك عن رؤيته، والإعجاب به، وأن يصول به على الناس، فَيُرفع من قلبه؛ فلا يعجب به، ومن لسانه؛ فلا يَمُنُّ به ولا يتكثر به، وهذا شأن العمل المرفوع.
ومن فوائده أنه يضيف الحمد إلى وليه ومستحقه، فلا يشهد لنفسه حمداً بل يشهده كله لله، كما يشهد النعمة كلها مِنْهُ، والفضل كله له، والخير كله في يديه، وهذا من تمام التوحيد، فلا يستقر قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وشُهُودِهِ، فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهداً، وإذا صار لقلبه مشهداً أثمر له من المحبة والأُنس بالله والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا ألبتة.
وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدوداً، وطريق الوصول إليه عنه مسدوداً، بل هو كما قال تعالى:﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[الحجر: 3].


Comment
Advanced mode Normal mode